فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال النووي في روضة الطالبين ما نصه: ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن فيقال: يا عبد الله ابن أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنت رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، ورد به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: هذا التلقين استحبه جماعات من أصحابنا، منهم القاضي حسين، وصاحب التتمة، والشيخ نصر المقدسي في كتابه التهذيب، وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقًا. والحديث الوارد فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة، كحديث «اسألوا له التثبيت» ووصية عمرو بن العاص: أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم في صحيحه، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين، من العصر الأول، وفي زمن من يقتدي به. اهـ. محل الغرض من كلام النووي.
وبما ذكر العلامة ابن القيم وابن الطلاع، وصاحب المدخل من المالكية، والنووي من الشافعية، كما اوضحنا كلامهم تعلم أن التلقين بعد الدفن له وجه قوي من النظر، لأنه جاء فيه حديث ضعيف، واعتضد بشواهد صحيحه، وبعمل أهل الشام قديمًا، ومتابعة غيرهم لهم.
وبما علم في علم الحديث من التساهل في العمل بالضعيف، في أحاديث الفضائل ولاسيما المعتضد منها بصحيح، وإيضاح شهادة الشواهد له أن حقيقة التلقين بعد الدفن مركبة من شيئين:
أحدهما: سماع الميت كلام ملقنه بعد الدفن.
والثاني: انتفاعه بذلك التلقين، وكلاهما ثابت في الجملة، أما سماعه لكلام الملقن فيشهد له سماعه لقرع نعل الملقن الثابت في الصحيحين، وليس سماع كلامه بأبعد من سماع قرع نعله كما ترى.
وأما انتفاعه بكلام الملقن فيشهد له انتفاعه بدعاء الحي، وقت السؤال في حديث «سلوا لأخيكم التثبيت فإنه يسأل الآن» واحتمال الفرق بين الدعاء والتلقين قوي جدًا كما ترى، فإذا كان وقت السؤال ينتفع بكلام الحي الذي هو دعاؤه له، فإن ذلك يشهد لانتفاعه بكلام الحي الذي هو تلقينه إياه، وإرشاده إلى جواب الملكين، فالجميع في الأول سماع من الميت لكلام الحي، وفي الثاني انتفاع من الميت بكلام الحي وقت السؤال، وقد علمت قوة احتمال الفرق بين الدعاء والتلقين.
وفي ذلك كله: دليل على سماع الميت كلام الحي، ومن أوضح الشواهد للتلقين بعد الدفن السلام عليه، وخطابه خطاب من يسمع، ويعلم عند زيارته كما تقدم إيضاحه، لأن كلا منهما خطاب له في قبره، وقد انتصر ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الروم في كلامه على قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم} [الروم: 52] إلى قوله: {فَهُمْ مُّسْلِمُونَ} [الروم: 53] لمساع الموتى وأورد في ذلك كثيرًا من الأدلة التي قدمنا في كلام ابن القيم، وابن أبي الدنيا، وغيرهما وكثيرًا من المرائي الدالة على ذلك، وقد قدمنا الحديث الدال على أن المرائي إذا تواترت أفادت الحجة. ومما قال في كلامه المذكور، وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الآية: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى} على توهيم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر، بعد ثلاثة أيام، إلى أن قال: والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لما لها من الشواهد على صحتها، من أشهر ذلك ما رواها ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه» الحديث.
وقد قدمنا في هذا المبحث مرارًا وبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث في الكلام على آية النمل هذه تعلم أن الذي يرجحه الدليل: أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا: إن يرد عليهم أرواحهم، حتى يسمعوا خطاب ويردوا الجواب، أو قلنا: إن الأرواح أيضًا تسمع وترد بعد فناء الأجسام، لأنا قد قدمنا أن هذا ينبني على مقدمتين، ثبوت سماع الموتى بالسنة الصحيحة، وأن القرآن لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي تشهد له القرائن القرآنية، واستقراء القرآن، وإذا ثبت ذلك بالسنة الصحيحة من غير معارض من كتاب، ولا سنة ظهر بذلك رجحانه على تأول عائشة رضي الله عنها، ومن تبعها بعض آيات القرآن كما تقدم إيضاحه، وفي الأدلة التي ذكرها العلامة ابن القيم في كتاب الروح. على ذلك مقنع للمنصف، وقد زدنا عليها ما رأيت، والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ}.
فمن فضله تعالى عليكم أنْ يُؤخِّر القيامة لعل الناس يرعوون، وإلا لفاجأتهم من أول تكذيب، وهذا يبين أن الله تعالى يُمهل الخَلْق ليزداد فيهم أهل الهدى والإيمان، أَلاَ ترى أن المؤمنين برسول الله لم يأتُوا جميعًا مرة واحدة في وقت واحد، إنما على فترات زمنية واسعة.
لذلك قلنا: إن المسلمين الأوائل كانوا في معاركهم مع الكفر يألمون إنْ فاتهم قَتْل واحد من رءوس الكفر وقادته مثل عكرمة وعمرو وخالد وغيرهم، ولو أطلعهم الله على الغيب لَعلِموا أن الله تعالى نجَّاهم من أيديهم ليدخرهم فيما بَعْد لنُصْرة الإسلام، وليكونوا قادة من قادته، وسيوفًا من سيوفه المشْهَرة في وجوه الكافرين.
وقوله تعالى: {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} [النمل: 73] دليل على أن البعض منهم يشكر.
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ}.
ولك أنْ تقول في هذه الآية: إذا كان الله تعالى يعلم ما تُكنُّ صدورهم وما تخفيه، فمن باب أَوْلَى يعلم ما يُعلنون، فلماذا قال بعدها: {وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل: 74]؟
نقول: لأن ما في الصدور غَيْب والله غَيْب، وقد يقول قائل: ما دام أن الله غيْب فلا يعلم إلا الغيب. فنردّ عليه بأن الله تعالى يعلم الغيب ويعلم العلن.
{وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)}.
معنى {غَآئِبَةٍ} [النمل: 75] يعني: الشيء الغائب، ولحقتْ به التاء الدالة على المبالغة، كما نقول في المبالغة: راوٍ ورواية، ونسَّاب ونسَّابه، وعالم وعلامة، كذلك غائب وغائبة، مبالغة في خفائها.
و{مِنْ} هنا يرى البعض أنها زائدة، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم وفصاحته، ونُنزِّه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له، والبعض تأدب مع القرآن فقال: {من} هنا صلة، لكن صلة لأي شيء؟
إذن: لابد أن لها معنى لكي نوضحه نقول: إذا أردتَ أنْ تنفي وجود مال معك تقول: ما عندي مال، وهذا يعني أنه لا مالَ معك يُعتَدّ به، ولا يمنع أن يكون معك مثلًا عدة قروش لا يقال لها مال، فإن أردتَ نفي المال على سبيل تأصيل العموم في النفس تقول: ما عندي من مال، يعني بداية ممَّا يُقال له مال مهما صَغُر، فمِنْ هنا إذن ليست زائدةً ولا صلةً، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في النفي.
فالمعنى {وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السماء والأرض إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] أن الله تعالى يحيط علمه أزلًا بكل شيء، مهما كان صغيرًا لا يُعتدُّ به، واقرأ قوله تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59].
كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: 75] أي في أُمِّ الكتاب الذي سجَّل الله فيه كل أحداث الكون، فإذا ما جاءتْ الأحداث نراها مُوافِقة لما سجّله الله عنها أَزَلًا، فمثلًا لما ذكر الحق تبارك وتعالى وسائل النقلِ والمواصلات في زمن نزول القرآن قال: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].
فلولا تذييل الآية بقوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] لكان فيها مأخذ على القرآن، وإلاَّ فأين السيارة والطائرة والصاروخ في وسائل المواصلات؟
إذن: نستطيع الآن أنْ نُدخِل كل الوسائل الحديثة تحت {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].
وسبق أن قلنا: إن من عظمة الحق سبحانه وتعالى ألاَّ يُعلم بشيء لا اختيار للعبد فيه، إنما بما له فيه اختيار ويفضحه باختياره، كما حدث في مسألة تحويل القبلة: {سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142].
فيعلنها الله تعالى صراحة، ويُسمِّيهم سفهاء؛ لأنهم يعادون الله ويعادون رسول الله، وبعد هذه الخصومة وهذا التجريح قالوا فعلًا ما حكاه القرآن عنهم.
ولم نَرَ منهم عاقلًا يتأمل هذه الآية، ويقول: ما دام أن القرآن حكى عنا هذا فلن نقوله، وفي هذه الحالة يجوز لهم أنْ يتهموا القرآن وينالوا من صِدْقه ومن مكانة رسول الله، لكن لم يحدث وقالوا فعلًا بعد نزول الآية:
{مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] يعني: تركوا التوجه إلى بيت المقدس وتوجهوا إلى مكة، قالوه مع ما لهم من عقل واختيار.
وهذه المسألة حدثتْ أيضًا في شأن أبي لهب لما قال الله عنه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سيصلى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 13].
لأنه قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعهم ليبلغهم دعوة الله، فقال له: تبًا لك ألهذا جمعتنا. وأبو لهب عم رسول الله، كحمزة والعباس ولم يكن رسول الله يدري مستقبل عمه، فلعله يؤمن كما آمن حمزة وصار أسد رسول الله، وكما آمن العباس بن عبد المطلب.
فلما نزلت {تَبَّتْ يَدَآ} [المسد: 1] كان بإمكانه أنْ يُكذِّبها وأن يؤمن فينطق بالشهادتين ولو نفاقًا، فله على ذلك قدرة، وله فيه اختيار، لكنه لم يفعل.
إذن: من عظمة كلام الله ومن وجوه الإعجاز فيه أنْ يحكم حكمًا على مختار كافر به، وهو قرآن يُتْلَى علانيةً على رءوس الأشهاد، ومع ذلك لا يستطيع التصدِّي له، ويبقى القرآن حُجَّة الله على كل كافر ومعاند.
ولما نتأمل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولَّى حفظه بنفسه سبحانه وتعالى ولم يُوكله إلى أحد، مع أن في القرآن أشياء وأحداثًا لم توجد بعد، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويُسجِّلها ويعلنها، لماذا؟ لأنها ستحدث لا محالة.
فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألاَّ تطاوعه؛ لأنه مالكها، ألاَ ترى أن الإنسان يحفظ الكمبيالة التي له، ولا يهتم بالتي عليه؟ أما ربُّنا عز وجل فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه سبحانه وتعالى.
واقرأ إن شئت: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] فالله يُسجِّلها على نفسه ويحفظها؛ لأنه القادر على الإنفاذ، وفعلًا هُزِم الجمع وولَّوْا الأدبار وصدق الله.
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)}.
فَرْق بين أن تخاطب خاليَ الذهن، وأنْ تخاطب مَنْ لديه فكرة مُسْبقة، فخالي الذهن يقبل منك، أما صاحب الفكرة المسْبقة فيعارضك، كذلك جاء من الكفار ومن أهل الكتاب من يعارض كتاب الله وينكر ما جاء به، ومع أنهم أعداء الإسلام وكارهون له لكْن إنْ سألتَهم عما أخبر به القرآن يقولون: نعم نعرف هذا من كتبنا {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} [البقرة: 89].
لذلك سيدنا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى رسول الله علم أنه الرسول الحق، فمالتْ نفسه إلى الإسلام وقال: والله إنِّي لأعرف محمدًا كمعرفتي بابني، ومعرفتي بمحمد أشد، وصدق الله حين قال عنهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146].
علم عبد الله أن الإسلام هو الطريق الذي يُوصِّله إلى الله والذي ينبغي لكل عاقل أنْ يتبعه، فلما أراد أنْ يُسلم أحب أنْ يكسب الجولة بإعلان إسلامه وفضيحة المنافقين والكفار وأهل الكتاب، فقال: يا رسول الله لقد اشتشرفَتْ نفسي للإسلام، وأخاف إنْ أسملتُ أن يذمَّني اليهود ويفعلوا بي كذا وكذا، فاسألهم عنِّي قبل أنْ أُسلِم، فسألهم رسول الله فقالوا: هو حَبْرنا وابن حَبْرنا.
وكالوا له الثناء والمديح، عندها قال عبد الله: أَما وقد قلتم ما قلتم، فأشهد ألا إلا إله الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: بل هو شرُّنا وابن شرِّنا. وكالوا له عبارات السب والشتم.